عبد الوهاب الشعراني
303
القواعد الكشفية الموضحة لمعانى الصفات الإلهية
وقد اختلف النّاس في تأويله ، ومنهم من نفاه ، وقال الشّيخ محيي الدّين « 1 » : هذه الرّؤية وقعت في عالم الخيال ، ومن شأن الخيال أن يجسّد ما ليس من شأنه التّجسّد ؛ لأنّ حضرته تعطي ذلك ، وتعطي مجرّد المعاني في الصّور المحسوسة ، فما ثمّ أقوى من الخيال ولا أوسع ، قال : ومن حضرته أيضا ظهر « 2 » المحال ، فيريك الحقّ - تعالى - في صورة مع أنّه - تعالى - لا يقبل الصّورة ، فقد قبل المحال الوجود الوجود « 3 » في هذه الحضرة ، وكذلك من قوّة الخيال أنّه يريك الجسم الواحد في مكانين كما رأى آدم - عليه الصّلاة والسّلام - « 4 » نفسه « 5 » في حديث القبضة الذي رواه التّرمذيّ من قوله : " فلمّا بسط الحقّ - تعالى - يده " « 6 » ، أي كما يليق بجلاله ، فإذا فيها آدم وذريّته ، فآدم في هذا الحديث في القبضة ، وهو عينه خارجها ، فيا من تخيّل « 7 » كون الجسم في مكان « 8 » ، ما تقول في هذا الحديث ؟ ونظير ذلك صلاته - صلّى اللّه عليه وسلّم - بالأنبياء ليلة الإسراء في السّماء مع كونهم في قبورهم في الأرض ، ونظير ذلك أيضا رؤية الإنسان نفسه في المنام في بلد آخر « 9 » تخالف حاله الذي هو عليه في الموضع الذي نام « 10 » فيه ، وهو عينه لا غيره ، ولولا ذلك ما قدر العقلاء على فرض المحال ، فإنّه لولا صوّره في نفسه ما قدر على تعقّله ، ونظير ذلك أيضا الشّهيد المقتول في سبيل اللّه - تعالى - « 11 » يرى مقتولا في المعركة وفي القبر ، وهو حيّ عند اللّه يرزق في حواصل طير « 12 » خضر تسرح في الجنّة كما ورد « 13 » .
--> ( 1 ) انظر قول محيي الدين في الباب الثامن والثمانين ومائة من الفتوحات ، 4 / 12 . ( 2 ) " ب " ، " د " : " ظهور " . ( 3 ) " ب " : العبارة : " فقد قبل المحال الوجود " . ( 4 ) " د " : " عليه الصلاة والسلام " ليست فيها . ( 5 ) " د " : " نفسه " ساقطة . ( 6 ) انظر : الحكيم الترمذي ، نوادر الأصول ، 1 / 446 ، وقد تقدم بيان عن حديث القبضة قبلا . ( 7 ) " أ " : " يحيل " ، وهو تصحيف . ( 8 ) " أ " ، " د " : " في مكانين " ، وليس ذلك كذلك ، فهو يردّ على من يحصر الجسم في مكان واحد . ( 9 ) ما ورد في النسخ جميعها : " من بلد أخرى " . ( 10 ) " ك " : " قام " . ( 11 ) " د " ، " ك " ، " ز " : " تعالى " ساقطة . ( 12 ) " د " ، " ك " ، " ز " : " حواصل طيور " . ( 13 ) جاء في الحديث الشريف : " أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح في الجنة حيث شاءت ، ثم تأوي إلى تلك القناديل . . . " . أخرجه الإمام أحمد في المسند ، 6 / 386 ( مع تباين قليل في الرواية ) ، ومسلم في الصحيح ، كتاب الإمارة ، ( 121 / 1887 ) ، شرح صحيح -